نخبة من الأكاديميين
161
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الثاني للهجرة . وقد ساهمت أجيال عدّة من الفقهاء المالكيين في تطوير هذا المذهب الذي استمرّ عبر التكيّف مع الظروف الإقتصاديّة والاجتماعيّة الجديدة في كل من المغرب والأندلس . ولم تقتصر " المالكيّة " على التعاليم الأوليّة لمالك ابن أنَس والجيل الأول من أتْباعه في المدينة ، إنّما ازدهرَت في سياق التطور الاجتماعي المغربي والأندلسي على مدى فترة طويلة من الزمن . ومن بين عُلماء المذهب المالكي كان أبو الوليد الباجي الذي عاش خلال القرن الحادي عشَر ، وكان الأبرز والأعلَم في الأندلس بينما كان القاضي عياد الأكثر بروزا " في المغرب . ويُعتبر كتاب " السيرة " للقاضي عياد نفسه وهو يحمل عنوان " كتاب المدارك والمسالك " من أهمّ الأعمال التي تُمثل عُلماء المذهب المالكي . ويختصّ هذا الكتاب بسيرة العلماء المسلمين المشارقة والمغاربة التابعين للمذهي المالكي حتى القرن الثاني عشَر ، وهو أفضل خطَاب دفاعي عن المالكيّة أنتجَه الغرب الإسلامي . ويجْدر الانتباه إلى ذلك العدد الهائل من علماء وفقهاء المذهب المالكي الذين أسهموا في التحوّل والتطوّر المشهودَين اللذين استدخلا تشريعات المذهب المالكي حتى باتت كما نعرفها اليوم . فالمالكيّة هي في النهاية نتيجة للإسهامات الفكريّة والفقهية لأجيال عدّة من العلماء وخصوصا العلماء المغاربة والأندلسيّون . في هذه الإسهامات المالكيّة وتقويمها تعدّدت آراء الأكاديميين ، فوصَفها E . Levi Provencal مثلا " بأنّها صادرة عن المذهب الشرعي الرسمي القمعي والجامد والرجعي الذي ساهم في عرقَلة التطور الفكري الحرّ والتقدّم في الأندلس . وفي الحقيقة لا يعْكس هذا الرأي الواقع . وفي ما يأتي نعرض لبعض الحجج والأفكار التي تُفسّر أهميّة إسهامات المالكيّة في الأندلس ، لا كإطار شرعي فحسب ، بل كإطار فكري وروحي من خلالها تطور المجتمع والثقافة الأندلسيين بالمعنى الشمولي المعروف خلال القرون الوسطى . أولا " : كانت المالكيّة المذهب الشرعي الرسمي خلال حُكم بني أميّة وملوك الطوائف والمرابطين ، ولكنّها كانت أيضا " المذهب الأكثر شعبيّة في الأندلس لأنّ العلماء والفقهاء الذين نشَروا المذهب أتوا بشكل أساسي من الطبقات الاجتماعيّة الدنيا ، وهو ما دفع الدولة إلى جعل المذهب المالكي مذهباً رسمياً لتصبح وثيقة الارتباط بالمذهب الأكثر انتشارا " ودينامية في الأندلس . ثانيا " : أظهرت المالكيّة مرونة كبيرة عندما نجَحَت في التكيّف مع التحولات الاجتماعيّة للمجتمع الأندلسي على مرّ القرون . ويظهر هذا جليّا " من خلال أعمال الفقهاء المالكيين المهمة في فقه النوازل ، مثل نوازل ابن الحاج التي تنَاول فيها قضايا مُتعلّقة بالمشاكل الروحيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة ؛ تراوح بين المشاكل الماليّة والمدينيّة ومشاكل أخرى تتعلّق بالمرأة والعلاقات بين المسلمين والمسيحيّين . ولقد وثّقَت هذه الأعمال التحولات غير العاديّة للأندلس كمجتمع مُتعدّد الطوائف بشكل ملموس . ثالثا " : في ظل المذهب المالكي باعتباره المذْهب الرسمي والأكثر انتشارا " في الأندلس ، وصَلَت العلاقات بين المسلمين والمسيحيّين من جهة والعلاقات بين المسلمين واليهود من جهة أخرى ، إلى قمّة التعايُش السلْمي والانسجام ، إذ كان الشعراء والفلاسفة والحرفيّون والتجّار ، وحتى الوزراء والمبعوثون